ابن الجوزي

129

كشف المشكل من حديث الصحيحين

وقد دل هذا الحديث على استحباب التنظف من الأقذار عند النوم ، لأن الإنسان لا يكاد يتوضأ حتى يغسل ما به من أذى . وإنما أمر بذلك عند النوم لأن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة ، والشياطين تتعرض بالأنجاس والأقذار . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : إن الأرواح يعرج بها في منامها إلى السماء ، فتؤمر بالسجود عند العرش ، فما كان منها طاهرا سجد عند العرش ، وما ليس بطاهر سجد بعيدا عن العرش . ثم إن الوضوء يخفف الحدث ، ولهذا يجوز عندنا للجنب إذا توضأ أن يجلس في المسجد ( 1 ) . 74 / 81 - وفي الحديث الثالث : قال عمر : يا رسول الله ، أصبت أرضا لم أصب مالا أحب إلي ولا أنفس عندي منها ، فقال : « إن شئت تصدقت بها » . فتصدق بها عمر : على أن لا تباع ولا توهب ، في الفقراء وذوي القربى الرقاب والضيف وابن السبيل ، لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف غير متمول مالا ، ويطعم ( 2 ) . أنفس بمعنى أفضل . وإنما نبهه على التصدق بها عند قوله : إني لم أصب مالا أحب إلي منها ؛ لأن الفضائل لا تنال إلا ببذل الأحب ، قال الله تعالى : * ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) * [ آل عمران : 92 ] . وفي هذا الحديث من العلم أن الرجل إذا وقف وقفا فأحب أن يشترط لنفسه أو لغيره فيه شرطا سوى الوجه الذي جعل الوقف فيه ، كان له ذلك ، وعندنا أنه إذا وقف على غيره واستثنى أن ينفق على نفسه حياته صح . وقال مالك والشافعي ومحمد : لا يصح . وقد دل حديث عمر على صحة مذهبنا ؛ لأنه قال : لا جناح على من وليها أن يأكل . وإنما ولي هذه الأرض عمر ( 3 ) .

--> ( 1 ) يرجع « الاستذكار » ( 3 / 101 ، 106 ) ، و « المغني ( 1 / 202 ) . ( 2 ) مسلم ( 1632 ) . ( 3 ) « البدائع » ( 6 / 222 ) ، و « المغني » ( 8 / 191 ) .